محمد بن جرير الطبري
145
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
أرى ، ومعي من ترى ! لقد غررت بنفسك وأصحابك ، فان أحببت أذنت لك ، فرجعت إلى بلادك ولم اهجك ، ولم ينلك ولا أحدا من أصحابك منى ولا من أحد من أصحابي مكروه ، وان أحببت ناجزتك الساعة ، وان أحببت اجلتك حتى تنظر في امرك ، وتشاور أصحابك . فأعظم وهرز امرهم ، ورأى انه لا طاقه له بهم ، فأرسل إلى مسروق : بل تضرب بيني وبينك أجلا ، وتعطيني موثقا وعهدا ، وتأخذ مثله منى ، الا يقاتل بعضنا بعضا حتى ينقضي الأجل ، ونرى رأينا . ففعل ذلك مسروق ، ثم أقام كل واحد منهما في عسكره ، حتى إذا مضى من الأجل عشره أيام ، خرج ابن وهرز يسير على فرس له ، حتى دنا من عسكرهم ، وحمله فرسه ، فتوسط به عسكرهم ، فقتلوه - ووهرز لا يشعر به - فلما بلغه قتل ابنه ارسل إلى مسروق : قد كان بيني وبينكم ما قد علمتم ، فلم قتلتم ابني ؟ فأرسل اليه مسروق : ان ابنك حمل علينا ، وتوسط عسكرنا ، فثار اليه سفهاء من سفهائنا ، فقتلوه ، وقد كنت لقتله كارها قال وهرز للرسول : قل له : انه لم يكن ابني ، انما كان ابن زانية ، ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضي الأجل الذي بيننا ثم امر فرمى به في الصعيد حيث ينظر إلى جثمانه ، وحلف الا يشرب خمرا ، ولا يدهن رأسه حتى ينقضي الأجل بينه وبينهم . فلما انقضى الأجل الا يوما واحدا ، امر بالسفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار ، وامر بما كان معهم من فضل كسوه فاحرق ، ولم يدع منه الا ما كان على أجسادهم ، ثم دعا بكل زاد معهم فقال لأصحابه : كلوا هذا الزاد ، فأكلوه ، فلما انتهوا امر بفضله فالقى في البحر ، ثم قام فيهم خطيبا ، فقال : اما ما حرقت من سفنكم ، فانى أردت ان تعلموا انه لا سبيل إلى بلادكم ابدا ، واما ما حرقت من ثيابكم ، فإنه كان يغيظنى ان ظفرت بكم الحبش ان يصير